- واحد بالميّة
- Posts
- الستاتينات: بين الأدلة العلمية والإعلام
الستاتينات: بين الأدلة العلمية والإعلام
تقييم فعالية أدوية الستاتين بعيدًا عن الانطباعات الفردية
في الفترة الأخيرة، أصبحت أدوية الستاتين محور جدل واسع، وتكررت الأسئلة حول فعاليتها وسلامتها. مراجعة علمية كبرى نُشرت في مجلة The Lancet أعادت تقييم الصورة كاملة استنادًا إلى أكبر التجارب العشوائية المحكمة، وهي أعلى درجات الأدلة في الطب، بدلًا من الاعتماد على قصص فردية أو دراسات رصدية قد تكون منحازة. هذه المراجعة وضعت الأرقام في سياقها الصحيح وميزت بوضوح بين ما هو مثبت علميًا وما هو مبالغ فيه.
ما هو سبب أمراض القلب والأوعية الدموية بيولوجيّاََ؟
تعد أمراض القلب والأوعية الدموية (تصلب الأوعية) من بين الأمراض المزمنة القليلة التي لدينا فهماََ سببيًا واضحًا لها. والمهم هنا ان هناك عامل مسبب يمكن استهدافه علاجيًا لتقليل مخاطر الاصابة بها على المدى الطويل. الأدلة تشير جميعها في الاتجاه نفسه: ينجم تصلب الأوعية عن جسيمات دهنية حاملة للكوليسترول في الدم. عندما تتجاوز هذه الجسيمات عتبات معينة من التركيز، تصبح قادرة على مغادرة الدم، وتعبر عبر الطبقة المبطنة للشرايين ، ثم تدخل إلى طبقة داخلية تسمى intima، حيث تبدأ فيها عملية التصلب. وبالتالي، فإن خفض مستويات الكوليسترول في الدم يمكن أن يبطئ بشكل كبير من تطور هذا المرض. ومن بين العلاجات الدوائية المتاحة حاليًا لخفض الكوليسترول، أدوية الستاتين رغم كونها من أقدم الفئات الدوائية تبقى واحدة من أكثر الخيارات فعاليةً وذات تكلفةً منخفضة نسبيّاََ.
ماذا تقول الارقام؟
تُظهر البيانات أن كل انخفاض بمقدار 1 مليمول/لتر في كوليسترول LDL يؤدي إلى تقليل خطر الجلطات مثل الجلطات القلبية والسكتات الدماغية والحاجة إلى القسطرة بنسبة تقارب 25% سنويًا بعد السنة الأولى من العلاج. وعند خفض LDL بمقدار 2 مليمول/لتر لمدة خمس سنوات لدى عشرة آلاف مريض "عالي الخطورة"، يمكن منع نحو ألف من هذه الجلطات في الاشخاص الذين لديهم تاريخ مرضي من امراض الشرايين، ونحو خمسمئة جلطة لدى ذوي الخطورة المرتفعة الذين ليس لديهم هذا التاريخ المرضي. كمية الفائدة تتناسب طرديًا مع خطر الاصابة المسبقة لدى المريض ومع مقدار خفض LDL، ما يؤكد وجود علاقة سببية واضحة ومدعومة بيولوجيًا.
ماذا عن الأضرار؟
أما فيما يخص الأضرار، فتُظهر التجارب السريرية أن المضاعفات الخطيرة المرتبطة بأدوية الستاتين نادرة نسبيًا. حالات الاعتلال العضلي الحقيقي تُقدّر بحوالي خمس حالات لكل عشرة آلاف مريض خلال خمس سنوات، بينما قد تظهر حالات سكري جديدة بمعدل يتراوح بين خمسين إلى مئة حالة. اما النزف الدماغي معدلاته منخفضة جدًا لا تكاد تذكر. وعند مقارنة هذه الأرقام بعدد الجلطات القلبية التي يتم منعها مع هذه الادوية، يتبين أن الفائدة تميل بوضوح لصالح العلاج لدى هؤلاء المرضى.
تأثير “النوسيبو”
ومن النقاط المهمة التي شددت عليها المراجعة أن كثيرًا من آلام العضلات المنسوبة لأدوية الستاتين لا تكون ناتجة عن الدواء نفسه، بل ترتبط بتأثير “النوسيبو”. أي تظهر الأعراض نتيجة توقع المريض لحدوثها. التجارب المحكمة من نوع double blinded أظهرت أن نسبة كبيرة من هذه الأعراض تستمر حتى عند إعطاء دواء وهمي، ما يبرز أهمية الاعتماد على التجارب السريرية المحكمة بدلًا من الانطباعات والاراء الفردية.
الخلاصة أن الفوائد القلبية الوعائية لأدوية الستاتين تفوق مخاطرها بشكل واضح عند استخدامها في المرضى المختارين وفق إرشادات طبية واضحة. المبالغة في تقدير المخاطر قد تؤدي إلى تقليل وصف العلاج، وهو ما ينعكس بزيادة أحداث قلبية يمكن الوقاية منها. في الطب، القرار لا يُبنى على الاراء بل على قوة الدليل. وفي حالة أدوية الستاتين، الدليل العلمي واضح.
السؤال ليس: هل لأدوية الستاتين آثار جانبية؟
السؤال الأدق: ما حجم الفائدة مقارنةً بحجم الخطر وفقًا لأقوى الأدلة المتاحة لنا؟ وهنا الجواب واضح
دمتم بخير
ادم